أبي الفرج الأصفهاني

261

الأغاني

قال وولد عطيّة جريرا - وأمّه أمّ قيس بنت معيد من بني كليب - وعمرا وأبا الورد . فأمّا أبو الورد فكان يحسد جريرا ؛ فذهبت لجرير إبل فشمت به أبو الورد فقال له جرير : أبا الورد أبقى اللَّه منها بقيّة كفت كلّ لوّام خذول وحاسد وأما عمرو فكان أكبر من جرير ، وكان يقارضه الشعر . فقال له جرير : وعمرو [ 1 ] قد كرهت عتاب عمرو وقد كثر المعاتب والذّنوب وقد صدّعت صخرة من رماكم وقد يرمى بي الحجر الصّليب وقد قطع الحديد فلا تماروا فرند لا يفلّ ولا يذوب شعر قاله ليزيد ابن معاوية يعاتب به أباه : قال : وأوّل شعر قاله جرير في زمن معاوية ، قاله لابنه : فردّي جمال البين ثم تحمّلي فما لك فيهم من مقام ولا ليا لقد قادني الجيران يوما وقدتهم وفارقت حتّى ما تصبّ [ 2 ] جماليا وإنّي لمغرور أعلَّل بالمنى ليالي أرجو أن مالك ماليا بأيّ سنان تطعن القرم بعد ما نزعت سنانا من قناتك ماضيا بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ما قطعت القوى من محمل كان باقيا قال : وكان يزيد بن معاوية عاتب أباه بهذه الأبيات ونسبها إلى نفسه ؛ لأن جريرا لم يكن شعره شهر حينئذ . فقدم جرير على يزيد في خلافته فاستؤذن له / مع الشعراء ، فأمر يزيد ألَّا يدخل عليه شاعر إلَّا من عرف شعره ؛ فقال جرير : قولوا له : أنا القائل : فردّيي جمال الحيّ ثم تحمّلي فما لك فيهم من مقام ولا ليا فأمر بإدخاله . فلمّا أنشده قال يزيد : لقد فارق أبي الدنيا وما يحسب إلَّا أنّي قائلها ، وأمر له بجائزة وكسوة . استعار من أبيه فحلا ولما استردّه منه عرّض به : أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النطَّاح قال قال أبو عبيدة قال أبو عمرو : استعار جرير من أبيه فحلا يطرقه في إبله ، فلما استغنى عنه جاءه أبوه في بتّ [ 3 ] خلق يستردّه ؛ فدفعه إليه وقال : يا أبت ، هذا « تردّ إلى عطيّة تعتل » . يعرّض بقول الفرزدق فيه : ليس الكرام بناحليك أباهم حتى تردّ عطيّة تعتل [ 4 ]

--> [ 1 ] في ب ، س : « أعمر » وفي ح : « وعمرا » . وقيل هذا البيت كما في ديوانه : رأيتك يا حكيم علاك شيب ولكن ما لحملك لا يثوب [ 2 ] يقال : صب في الوادي إذا انحدر . [ 3 ] البت : كساء غليظ مهلهل مربع أخضر ، قيل : هو من وبر وصوف . [ 4 ] نحل : أعطى . وتعتل : تساق قسرا . ويقال : تعتل : تقاد بين اثنين . ( عن النقائض ) .